النويري
57
نهاية الأرب في فنون الأدب
حيث يتحاكم إليه ، وكانت قوّتها قوّة الحديد ، ولونها لون النار ، وحلقها مستديرة ، مفصّلة بالجوهر ، مدسّرة بقضبان اللؤلؤ الرّطب ، فلا يحدث في الهواء حدث إلَّا صلصلت السلسلة ، فيعلم داود ذلك الحدث ؛ ولا يلمسها ذو عاهة إلَّا برئ ، وكان علامة دخول قومه في الدّين أن يمسّوها بأيديهم ويمسحوا بأكفّهم على صدورهم . وكانوا يتحاكمون إليه ، فمن تعدّى على صاحبه أو أنكره حقا أتوا السلسلة ، فمن كان صادقا محقّا مدّ يده إلى السلسلة فنالها ، ومن كان كاذبا ظالما لم ينلها ؛ فكانت كذلك إلى أن ظهر فيهم المكر والخديعة . قال : فبلغنا أن بعض ملوكهم أودع رجلا جوهرة ثمينة ، فلمّا استردّها منه أنكره ذلك ، فتحا كما إلى السلسلة ، فعلم الذي كانت عنده الجوهرة أن يده لا تنال السلسلة ، فعمد إلى عكَّازة فنقرها ثم ضمّنها الجوهرة واعتمد عليها حتى حضر معه غريمه « 1 » عند السلسلة ، فقال لصاحبها : ما أعرف لك من وديعة ، إن كنت صادقا فتناول السلسلة ، فتناولها بيده وقال للمنكر : قم أنت أيضا فتناولها ، فقال لصاحب الجوهرة : إلزم عكَّازتى هذه حتى أتناول السلسلة . فأخذها وقام الرجل وقال : اللهم إن كنت تعلم أنّ هذه الوديعة التي يدّعيها علىّ قد وصلت إليه فقرّب منّى السلسلة . فمدّ يده وتناولها ، فشكّ القوم وتعجّبوا ، فأصبحوا وقد رفع اللَّه تلك السلسلة . وقال الكسائىّ في خبر السلسلة : أوحى اللَّه تعالى إلى داود أن ينصب سلسلة من حديد ويعلَّق فيها جرسا ، ففعل ذلك ؛ وساق في خبرها نحو ما تقدّم في أمر المحقّ والمبطل .
--> « 1 » كذا في الثعلبىّ . وفى الأصول : « حتى حضروا إلى السلسلة » .